مجتمع البحث والعينة: كيفية تحديدهما واختيار العينة المناسبة

 

يُعد تحديد مجتمع البحث واختيار العينة من أهم الخطوات المنهجية في إعداد البحث العلمي، لأن جودة النتائج التي يصل إليها الباحث تعتمد بدرجة كبيرة على مدى وضوح المجتمع الذي تستهدفه الدراسة، ومدى قدرة العينة المختارة على تمثيل خصائص هذا المجتمع. وقد يمتلك الباحث مشكلة واضحة وأداة دقيقة وخطة تحليل مناسبة، لكنه قد يصل إلى نتائج مضللة إذا جمع البيانات من أفراد لا يمثلون المجتمع الحقيقي للدراسة.

ولا يستطيع الباحث في كثير من الدراسات جمع البيانات من جميع أفراد المجتمع، خاصة عندما يكون عددهم كبيرًا أو موزعين في مناطق متعددة أو يصعب الوصول إليهم. لذلك يلجأ إلى اختيار عدد محدود من الأفراد أو الوحدات يطلق عليه عينة البحث، ثم يستخدم البيانات التي يحصل عليها منها لفهم المجتمع والوصول إلى استنتاجات بشأنه.

ولا يعني اختيار عينة كبيرة أن النتائج ستكون صحيحة تلقائيًا، لأن طريقة اختيار المشاركين قد تكون أكثر أهمية من العدد نفسه. فقد تكون العينة كبيرة لكنها منحازة إلى فئة واحدة، بينما تستطيع عينة أصغر تم اختيارها بصورة علمية أن تقدم نتائج أكثر دقة وتمثيلًا للمجتمع.

كما تختلف طريقة اختيار العينة باختلاف منهج الدراسة وأهدافها. فالدارسات الكمية التي تسعى إلى تعميم النتائج تعتمد غالبًا على العينات الاحتمالية، مثل العينة العشوائية البسيطة أو الطبقية، بينما قد تعتمد الدراسات النوعية على العينات القصدية التي يختار الباحث أفرادها لأنهم يمتلكون خبرات أو خصائص محددة مرتبطة بموضوع الدراسة.

ويواجه كثير من الطلاب صعوبة في التمييز بين مجتمع البحث والمجتمع المتاح وإطار المعاينة والعينة، كما قد يختارون المشاركين وفق سهولة الوصول إليهم دون توضيح أثر ذلك في النتائج. لذلك يجب أن تتم عملية تحديد المجتمع واختيار العينة وفق خطوات واضحة ومبررات علمية يمكن للقارئ تقييمها.

في هذا المقال سنتعرف بالتفصيل على مفهوم مجتمع البحث والعينة، والفرق بينهما، وأنواع المجتمعات والعينات، وخطوات تحديد المجتمع، وكيفية اختيار طريقة المعاينة المناسبة، والعوامل المؤثرة في تحديد حجم العينة، بالإضافة إلى أبرز الأخطاء التي يجب تجنبها.

ما المقصود بمجتمع البحث؟

مجتمع البحث هو جميع الأفراد أو الوحدات أو العناصر التي تمتلك الخصائص التي يهتم الباحث بدراستها، والتي يرغب في الوصول إلى نتائج أو استنتاجات عنها.

ولا يشترط أن يتكون المجتمع من أشخاص فقط، بل قد يشمل مؤسسات أو مدارس أو شركات أو وثائق أو منتجات أو أحداثًا أو منشورات أو معاملات مالية، وفقًا لطبيعة موضوع البحث.

فعلى سبيل المثال، إذا كان البحث يتناول رضا طلاب إحدى الجامعات عن التعليم الإلكتروني، فإن مجتمع البحث قد يكون جميع الطلاب المسجلين في الجامعة خلال عام دراسي محدد.

أما إذا كانت الدراسة تحلل محتوى الإعلانات المنشورة في صحيفة معينة، فإن مجتمع البحث قد يتمثل في جميع الإعلانات المنشورة خلال الفترة التي حددها الباحث.

ما المقصود بعينة البحث؟

عينة البحث هي جزء من مجتمع الدراسة يتم اختياره وفق طريقة معينة لجمع البيانات منه، بهدف الوصول إلى نتائج تساعد على فهم المجتمع الأصلي.

ويفترض في البحوث الكمية أن تعكس العينة أهم خصائص المجتمع حتى يستطيع الباحث تعميم النتائج بدرجة مقبولة.

أما في البحوث النوعية، فقد لا يكون الهدف تمثيل المجتمع إحصائيًا، بل اختيار أفراد أو حالات يمكنها تقديم معلومات عميقة وغنية حول الظاهرة محل الدراسة.

الفرق بين مجتمع البحث والعينة

يمثل مجتمع البحث المجموعة الكاملة التي يهتم الباحث بدراستها، بينما تمثل العينة جزءًا من هذه المجموعة.

فإذا كان المجتمع يتكون من عشرة آلاف موظف في مجموعة من المؤسسات، فقد يختار الباحث خمسمئة موظف فقط للمشاركة في الدراسة. وفي هذه الحالة يكون الموظفون العشرة آلاف هم مجتمع البحث، بينما يمثل الموظفون الخمسمئة عينة الدراسة.

وتستخدم نتائج العينة لتقدير خصائص المجتمع، لذلك يجب اختيارها بطريقة تقلل احتمال التحيز وتزيد من قدرتها على تمثيله.

لماذا يستخدم الباحث العينة بدلًا من دراسة المجتمع كاملًا؟

قد يلجأ الباحث إلى دراسة المجتمع كاملًا عندما يكون حجمه صغيرًا ويمكن الوصول إلى جميع أفراده، ويطلق على ذلك الحصر الشامل.

لكن في المجتمعات الكبيرة، تصبح دراسة جميع الأفراد صعبة بسبب الوقت والتكلفة والجهد.

وتساعد العينة على:

  • توفير الوقت والموارد.

  • تقليل تكلفة جمع البيانات.

  • تسهيل إدارة الدراسة.

  • تحسين متابعة جودة البيانات.

  • إجراء تحليلات دقيقة خلال مدة مناسبة.

  • دراسة مجتمعات يصعب الوصول إلى جميع أفرادها.

  • الحصول على نتائج قابلة للتعميم عندما يكون الاختيار علميًا.

ولا يعني استخدام العينة التنازل عن الدقة، بل يمكن لعينة مختارة بطريقة صحيحة أن توفر تقديرًا قويًا لخصائص المجتمع.

أنواع مجتمع البحث

يمكن تصنيف مجتمع البحث وفق نطاقه وإمكانية الوصول إليه.

المجتمع المستهدف

هو المجتمع الكامل الذي يرغب الباحث في تعميم نتائج الدراسة عليه.

فعند دراسة اتجاهات معلمي المرحلة الثانوية نحو تقنية معينة، قد يكون المجتمع المستهدف جميع معلمي المرحلة الثانوية في الدولة.

المجتمع المتاح

هو الجزء من المجتمع المستهدف الذي يستطيع الباحث الوصول إليه فعليًا.

فقد يتمكن الباحث من الوصول إلى المعلمين في منطقة أو مجموعة مدارس محددة فقط، فيصبح هؤلاء هم المجتمع المتاح الذي ستُسحب منه العينة.

ويجب على الباحث توضيح هذا الفرق، لأن النتائج قد لا تكون قابلة للتعميم على المجتمع المستهدف بالكامل إذا كان المجتمع المتاح محدودًا أو مختلفًا عنه.

المجتمع المحدود

هو المجتمع الذي يمكن تحديد عدد عناصره بدقة، مثل موظفي شركة أو طلاب جامعة أو سجلات مستشفى خلال سنة معينة.

المجتمع غير المحدود

هو المجتمع الذي يكون حجمه كبيرًا جدًا أو يصعب حصر جميع عناصره، مثل جميع مستخدمي الإنترنت أو جميع عمليات شراء منتج معين عبر فترة مفتوحة.

ما هو إطار المعاينة؟

إطار المعاينة هو القائمة أو المصدر الذي يحتوي على أفراد أو وحدات المجتمع الذين يمكن اختيار العينة منهم.

وقد يكون سجلًا للطلاب، أو قائمة بالموظفين، أو قاعدة بيانات للعملاء، أو قائمة بالمدارس، أو سجلًا بالمؤسسات.

وتؤثر جودة إطار المعاينة في دقة اختيار العينة. فإذا كانت القائمة ناقصة أو قديمة، فقد يتم استبعاد فئات معينة من المجتمع، مما يؤدي إلى تحيز النتائج.

ويجب أن يكون إطار المعاينة:

  • محدثًا قدر الإمكان.

  • شاملًا لوحدات المجتمع.

  • خاليًا من التكرار.

  • متوافقًا مع شروط المشاركة.

  • مناسبًا لطريقة الاختيار المستخدمة.

خطوات تحديد مجتمع البحث

يتطلب تحديد المجتمع أكثر من كتابة عبارة عامة مثل "طلاب الجامعات" أو "الموظفون"، بل يجب وصفه بصورة دقيقة.

الخطوة الأولى: مراجعة مشكلة البحث

توضح مشكلة البحث الفئة أو الوحدات التي ترتبط بها الظاهرة.

فإذا كانت المشكلة تتناول ضغوط العمل لدى الممرضين في المستشفيات الحكومية، فإن المجتمع يجب أن يركز على الممرضين الذين يعملون في هذه المستشفيات، وليس جميع العاملين في القطاع الصحي.

الخطوة الثانية: تحديد وحدة التحليل

وحدة التحليل هي العنصر الذي ستجمع عنه البيانات وتُجرى عليه الاستنتاجات.

وقد تكون الوحدة فردًا أو أسرة أو مؤسسة أو مدرسة أو دولة أو وثيقة أو منشورًا إلكترونيًا.

ويجب التمييز بين وحدة التحليل ومصدر البيانات. فقد تكون المؤسسة هي وحدة التحليل، بينما يجيب مدير المؤسسة عن الاستبيان بوصفه مصدرًا للمعلومات.

الخطوة الثالثة: تحديد الخصائص الأساسية

ينبغي توضيح الصفات التي يجب أن تتوافر في أفراد المجتمع، مثل العمر أو المهنة أو المستوى الدراسي أو الخبرة أو الموقع الجغرافي.

ويمنع هذا التحديد إدخال أفراد لا ينتمون فعليًا إلى المجتمع المستهدف.

الخطوة الرابعة: تحديد النطاق المكاني

يجب توضيح المكان الذي يغطيه البحث، مثل جامعة محددة أو مدينة أو دولة أو مجموعة مؤسسات.

ويؤثر النطاق المكاني في قدرة الباحث على تعميم النتائج.

الخطوة الخامسة: تحديد النطاق الزمني

قد يرتبط المجتمع بفترة محددة، مثل الطلاب المسجلين خلال عام دراسي معين أو العملاء الذين اشتروا خلال الأشهر الستة الماضية.

ويجب تحديد الزمن لأن خصائص المجتمع قد تتغير بمرور الوقت.

الخطوة السادسة: وضع شروط المشاركة والاستبعاد

تحدد شروط المشاركة من يحق له الانضمام إلى الدراسة، مثل العمل في المؤسسة لمدة لا تقل عن ستة أشهر.

أما شروط الاستبعاد فتوضح الحالات التي لن تدخل في الدراسة، مثل الموظفين الجدد أو المشاركين الذين لم يكملوا الأداة.

ويجب أن ترتبط هذه الشروط بأهداف الدراسة، لا برغبة الباحث في استبعاد إجابات غير مناسبة لتوقعاته.

الخطوة السابعة: تقدير حجم المجتمع

يحتاج الباحث إلى معرفة العدد التقريبي أو الفعلي لأفراد المجتمع عند اختيار العينة وحساب حجمها.

ويمكن الحصول على العدد من السجلات الرسمية أو التقارير أو قواعد البيانات المتاحة.

كيفية كتابة وصف مجتمع البحث

ينبغي أن يتضمن وصف المجتمع الفئة والمكان والزمن والخصائص الضرورية.

ومن أمثلة الصياغة:

"يتكون مجتمع الدراسة من جميع معلمي المرحلة الثانوية العاملين في المدارس الحكومية بمدينة محددة خلال العام الدراسي المحدد، والبالغ عددهم وفق السجلات الرسمية كذا معلمًا."

وتعد هذه الصياغة أكثر دقة من قول: "يتكون المجتمع من المعلمين."

ما المقصود بالمعاينة؟

المعاينة هي العملية التي يستخدمها الباحث لاختيار مجموعة من الوحدات أو الأفراد من مجتمع البحث.

وتنقسم طرق المعاينة بصورة عامة إلى عينات احتمالية وعينات غير احتمالية.

ويعتمد الاختيار بينهما على هدف البحث، ومدى توافر قوائم المجتمع، وحجم المجتمع، وطبيعة البيانات المطلوبة، وإمكانية الوصول إلى الأفراد.

أولًا: العينات الاحتمالية

في العينات الاحتمالية تكون لكل وحدة في المجتمع فرصة معروفة للاختيار، ويعتمد الاختيار على أساليب عشوائية.

وتستخدم هذه العينات غالبًا في الدراسات الكمية التي تهدف إلى تعميم النتائج على المجتمع.

العينة العشوائية البسيطة

تعتمد على اختيار أفراد العينة بطريقة تمنح كل فرد في المجتمع فرصة متساوية للدخول فيها.

ويمكن تنفيذها باستخدام القرعة أو الأرقام العشوائية أو البرامج الإلكترونية، بعد إعداد قائمة كاملة بأفراد المجتمع.

مثال على العينة العشوائية البسيطة

إذا كان المجتمع يضم ألف موظف ويريد الباحث اختيار مئتي موظف، فإنه يمنح كل موظف رقمًا، ثم يختار مئتي رقم عشوائيًا.

Comments